محمد جواد مغنية
76
في ظلال نهج البلاغة
2 - أن يكون القاضي ( ممن لا تضيق به الأمور ) أي يجب أن يكون عالما مجتهدا يستخرج الأحكام من مصادرها ، ويطبقها على مواردها . 3 - ( لا تمحكه الخصوم ) . وفي تفسيره أقوال أرجحها أن يكون القاضي واسع الصدر ، يتحمل ما يجري ويحدث عادة بين الخصوم من المهاترات ، شريطة أن لا تمس هيبة القاضي والقضاء . 4 - ( لا يتمادى في الزّلة - أي الخطأ - ولا يحصر من الفيء إلى الحق إذا عرفه ) إذا أخطأ ، ثم عرف الصواب فعليه أن يرجع اليه ، ولا يصر على خطأه ، فإن الرجوع عن الخطأ فضيلة . 5 - ( لا تشرف نفسه على الطمع ) أن يكون عفيفا لا يقضي بالهوى ، ولا يقبل الرشى ، وبقول الإمام جعفر الصادق ( ع ) : أن يكون صائنا لنفسه ، حافظا لدينه ، مخالفا لهواه ، مطيعا لأمر مولاه . 6 - ( لا يكتفي بأدنى فهم دون أقصاه ) . لا يعلن الحكم النهائي إلا بعد التحري والوقوف على جهات الدّعوى بأكملها ، والبحث عما يتصل بالحادثة حكما وموضوعا . وهذه هي طريقة العلماء ، فإنهم لا يتنبئون بشيء إلا بعد الاستقراء التام ، والملاحظات الدقيقة والوثوق بما يقولون . 7 - ( أوقفهم في الشبهات ) . ليس المراد بالوقوف هنا الإحجام عن الحكم ، لأن القاضي ملزم بفصل الخصومات والبت بإعلان الحكم النهائي المطلق عن كل قيد ، وإلا انتقض الغرض من القضاء ، وأيضا ليس المراد به العمل بالاحتياط ، لأنه ممكن في العبادات والكفارات ، أما في الخصومات فمتعذر - في الغالب - لتضارب الحقوق المتنازع عليها بالسلب والإيجاب . . . اللهم إلا أن يبذل الجهد في الصلح ، وإنما المراد بالوقوف هنا الرجوع إلى أصل صحيح مع النص . وقد حدد الحقوقيون هذا الأصل بالرجوع إلى اجتهادات المحاكم العليا في نظائر الحادثة المتنازع عليها ، وإلا فإلى العرف والتقاليد التي ألفها المتعاملون في بلادهم منذ سنين ، فإن لم توجد عمل بمبادىء قانون الطبيعة ، وقواعد العدالة ، كما يراها القاضي ، ويسمى هذا بالاستحسان في اصطلاح الأصوليين . أما فقهاء المسلمين فإن لديهم قواعد وأصولا شرعية مقررة ، وهي كثيرة بكثرة الموارد ، منها قاعدة درء الحدود بالشبهات ، وعليها اعتمدت القوانين الحديثة حيث تقول :